loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

حين تنام المدن.. ويستيقظ الفراغ

breakLine
2026-08-05

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي


 
«كورمانجي هرا گولي...»  أغنية تملأ المقاهي والمطاعم والسَّيارات والهواتف المحمولة. تتردَّد كلماتُها مئات المرات في اليوم، ثمَّ لا تلبث أن تختفي بعد أسابيع لتحلَّ محلَّها أُغنيةٌ أُخرى، وكأنَّ المجتمعَ لا يجد ما يشغله سوى مطاردة «تريند» عابر. المشكلة ليست في الأُغنيةِ نفسها، بل في أن تصبح رمزًا لواقعٍ ينشغل فيه النّاس بكلِّ ما هو مؤقَّت، بينما تتراكمُ القضايا الحقيقية في صمت!
في بقعةٍ من هذا العالم، هناك أربع مدنٍ تبدو وكأنَّها أبرمت اتفاقًا غير مكتوبٍ مع اللَّيل. تنام نهارًا، وتستيقظ مساءً. مدنٌ لا تدبُّ فيها الحياة إلا بعد غروبِ الشَّمس، حتى يخيل للغريبِ أنَّ النَّهارَ فترةُ سُباتٍ عميق، وأنَّ اللَّيلَ خُلِقَ للَّهو واللَّعب. 
هذا المشهد يذكّر بما يروى عن فرمان أصدره الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر، حين فرض على النّاس نمطًا غير مألوفٍ للحياة، فقلب إيقاعَ اللَّيلِ والنَّهار، غير أنَّ الفرقَ الجوهري هنا أنَّ أحداً لم يصدر فرمانًا. لقد جاء هذا التحوُّل طوعًا، أو بفعل تراكمِ الظروف حتى أصبح أسلوب حياة تتوارثه الأجيال دون أن يسأل أحدٌ: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ 
في هذه المدن، ليس مستغربًا أن تحجزَ موعدًا لدى طبيبِ الأسنان في الثانية صباحًا، أو أن تجدَ المطاعمَ والمحالَ التجارية أكثر ازدحامًا عند منتصف اللَّيل منها في ساعات الظهيرة. المقاهي لا تؤدي دورها التقليدي كمكانٍ للقاءٍ عابر، بل أصبحت مقرًّا دائماً لشريحةٍ واسعةٍ من الشبابِ العاطلينَ عن العمل. طاولات الورق والدومينو والطاولة تمتد لساعاتٍ طويلة، والدخان يملأ المكان، فيما تمضي الساعات بطيئة، وكأنَّ الزمن نفسه فقد وظيفته.
حتى مواعيد الطعام انقلبت رأسًا على عقِب. يبدأ اليوم في الخامسة مساءً بوجبةٍ سريعةٍ تُطلب عبر تطبيقات التوصيل، ويأتي الغداء بعد منتصف اللَّيل، أما العشاء فلا يحين إلا قبيل الفجر. وحين ينام العالم، تكون هذه المدن في ذروة نشاطها، قبل أن تستسلمَ للنَّوم مع أوَّل خيوط الصباح.
المشكلةَ ليست في السَّهر بحد ذاته، فهناك مدنٌ عالميةٌ لا تنام أيضاً، وإنَّما في السؤال: ماذا يفعل الناس خلال ساعاتِ يقظتهم؟ هل يبتكرونَ؟ هل يبنونَ اقتصادًا أو ينتجون معرفةً؟ أم أنَّ معظمَ الوقتِ يضيع في التسكُّعِ، وملاحقة التريندات، واستهلاك ساعات طويلة من الفراغ؟ 
وراء هذا المشهد تختبئ أزمةٌ أعمق. البطالةُ المرتفعةُ بين الشباب ليست مجرَّد رقم في تقرير حكومي، بل هي قوَّة تدفع آلاف الخريجين إلى فقدان الإحساس بالجدوى. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يقوم النظام التعليمي بدرجةٍ كبيرةٍ على لغةٍ محلّيَّةٍ محدودة الانتشار، لا تفتح أمام الطالبِ أبوابَ الأسواقِ العالمية ولا تمنحه أدوات المنافسة خارج حدود مدينته، فيتحوَّل كثير من الخريجين إلى أسرى جغرافيا ضيّقة، يجدونَ أنفسَهم عاجزينَ عن إيجادِ فرصةِ عملٍ لائقةٍ أو الهجرة القانونية بحثًا عن مستقبل أفضل.
إنَّها دائرةٌ مغلقة: تعليمٌ محدود، وسوقُ عملٍ راكد، وبطالةٌ متزايدة، وفراغٌ طويل، ثمَّ نمطُ حياةٍ يُرسِّخ هذا الواقع بدلاً من كسره.
ولا تقف التداعيات عند حدود الاقتصاد. فالكثير من الشباب يتأخَّرون في الزواج والعنوسة تهدّد الفتيات بسبب الظروف المعيشية وغياب الاستقرار، فيما تتعرَّض العلاقات الأُسرية لضغوطٍ مستمرة بسببِ اختلاف أنماط الحياة وانشغال كثيرينَ بالسَّهر خارج المنزلِ حتى ساعاتِ الفجر. والضَّحية الأولى في كثيرٍ من الأحيانِ هم الأطفال؛ جيل ينمو بين الهواتفِ الذكيَّة والأجهزة اللّوحية، لكنَّه يفتقد إلى الحنان الأُسري، والتوجيه، والاحتواء، والقدوة. فالأبُ غائبٌ معظم اللَّيل، والأُم مثقلة بأعباء الحياة، لتتولى الشاشات المَهمَّةَ التي كان ينبغي أن تقومَ بها الأُسرة. 
ولأنَّ الإنسانَ لا يستطيع العيشَ طويلاً بلا أمل، فإنَّ البعضَ يجد نفسَهُ فريسةً للاكتئابِ، ويشعرُ آخرونَ بأنَّ المستقبلَ أغلق أبوابَهُ في وجوهِهم. وتشير دراساتٌ عديدة إلى أنَّ البطالةَ والعزلةَ الاجتماعية قد ترتبط بارتفاع معدلاتِ الاكتئاب والإقدام على الانتحار، وإن كانت هذه الظواهر تنتج عادةً عن مجموعةٍ معقَّدة من العواملِ، لا عن سبب واحد.
وسط كلِّ ذلك، يبدو موقفُ الجهاتِ المسؤولة أقربَ إلى اللامبالاة. فلا توجد سياسات اقتصادية قادرة على خلقِ فرصِ عملٍ حقيقية، ولا إصلاحات تعليمية تواكب احتياجات العصر، ولا برامج اجتماعية تعيد للشباب ثقتهم بأنَّ المستقبلَ يمكنُ أن يكونَ أفضلَ من الحاضر. وكأنَّ استمرارَ هذا الواقع لا يثير القلق ما دام لا يمسُّ حياة أصحاب القرار بصورةٍ مباشرة.
إنَّ المدنَ لا تنهض عندما تظلُّ أضواؤها مشتعلة حتى الفجر، بل تنهضُ عندما يمتلكُ شبابها سببًا للاستيقاظ باكرًا من أجلِ الدراسة والعمل والإنتاج. ولا يُقاس ازدهار المجتمعات بعددِ الملاهي والمطاعمِ والمقاهي المفتوحة ليلاً، ولا بعددِ الأغاني التي تتصدَّر قوائم الاستماع، بل بعددِ المشاريعِ التي تُولد، والفرص التي تُخلق، والأحلام التي تتحوَّل إلى واقع.
قد تختفي «كورمانجي هرا گولي...» بعد أسابيعٍ قليلة، كما اختفت أغنية «أصابكَ عشقٌ» وعشرات الأغاني من قبل، غير أنَّ الإيقاع الذي تعيش عليه هذه المدن سيبقى كما هو دون تغيير؟.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي