loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

صدّق أو لا تصدّق!

breakLine
2026-06-15

بشرى الهلالي 
كاتبة | عراقية

 


كانت عبارة "صدّق أو لا تصدّق" عنوانًا شائعًا في الصحف الورقية قديمًا، وفيها حيلة ذكية أكثر مما تبدو عليه. فحين يُطلب من القارئ أن يصدّق، قد يميل إلى الرفض لأن الإنسان لا يحب أن تُفرض عليه القناعات. أما حين يُمنح خيارًا ظاهريًا بين التصديق وعدم التصديق، فإنه يشعر بحرية الاختيار، بينما يكون أكثر استعدادًا لتصديق الخبر، مهما بدا غريبًا أو بعيدًا عن المنطق.
اليوم ارتدت هذه العبارة ثوبًا جديدًا على أيدي تجّار وسائل التواصل الاجتماعي. فصار من المألوف أن تنجذب الأصابع تلقائيًا إلى عناوين من نوع: "كيف كانت الفنانة قبل التجميل؟"، أو "ماذا قالت فلانة لطليقها؟"، أو إلى صور ومشاهد مثيرة للفضول لا تحمل قيمة معرفية حقيقية. وهكذا تحوّلت منصات التواصل إلى سوق ضخمة للفضائح والإثارة والمشاهد الغريبة، سواء كانت حقيقية أم مفبركة، بينما يتراجع المحتوى الجاد أمام سطوة التفاهة.
ولا يدرك كثيرون أنهم، بانغماسهم في هذا النوع من المحتوى، يساهمون في استنزاف انتباههم وإضعاف قدرتهم على التركيز والتفكير النقدي، في الوقت الذي يملأون فيه جيوب صُنّاع المحتوى الذين يتربحون من كل مشاهدة ونقرة.
لا يمكن إنكار الفوائد الكبيرة لوسائل التواصل الاجتماعي. فقد سهّلت التواصل بين الأصدقاء والأقارب، وقرّبت المسافات بين المغتربين وأسرهم، ووفّرت فرصًا للتعريف بالأنشطة الثقافية والاجتماعية، كما أصبحت أداة مهمة للتعلّم والبحث والتسويق والوصول إلى الخدمات المختلفة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاستخدام من وسيلة إلى إدمان.
فمشهد التصاق الناس بشاشات الهواتف في كل مكان بات مألوفًا، كما أصبحت اللقاءات العائلية والاجتماعية تُستهلك أحيانًا في تبادل المقاطع السريعة والنكات والمشاهد المثيرة، بدل الحوار والتواصل الحقيقي. والمفارقة أن هذا السلوك لم يعد مقتصرًا على المراهقين والشباب، بل امتد إلى مختلف الأعمار، حتى غدا بعض كبار السن من أكثر الفئات تعلقًا بالشاشة. وفي مقارنة سريعة مع كثير من المجتمعات الغربية، يلاحظ أن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي يتركز غالبًا بين المراهقين وصغار السن، بينما يتعامل كثير من البالغين مع الهواتف الذكية بوصفها أدوات عملية لا أكثر. فهم أكثر حرصًا على وقتهم وصحتهم الذهنية، وأقل استعدادًا لاستنزاف ساعات طويلة في متابعة محتوى عابر أو مثير للفضول. وقد لا يحرص بعضهم حتى على اقتناء أحدث الأجهزة والتطبيقات، لأنهم يدركون أن القيمة ليست فيما نملكه من وسائل تقنية، بل في كيفية توظيفها، ويفهمون جيدًا آليات الاقتصاد الرقمي القائم على جذب الانتباه، لذلك يفضلون ألا يكونوا مجرد حلقة في هذه اللعبة.
والأخطر من ضياع الوقت أن كثيرًا من هذه المواد لا تهدف إلى المعرفة أو التثقيف، بل إلى جذب الانتباه وتوجيهه لخدمة مصالح تجارية، أو تسويق منتجات وأفكار لا تقوم على أسس رصينة. وهكذا يدفع المتابع من وقته وصحته ووعيه ثمنًا لإثراء آخرين يتاجرون باهتمامه.
من المؤسف أن ينشغل كثير من الرجال والنساء في مرحلة النضج بمتابعة ما هو سطحي وعابر، بينما تتراجع مساحة الاهتمام بالقضايا الجادة والمعرفة الحقيقية. لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى قدر أكبر من الاعتدال والوعي في اختيار ما نتابع، ومن نتابع، حتى لا نتحول إلى سلعة في سوق الإثارة الرقمية.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي