مقالات ادبية واجتماعية وفنية
نجاح إبراهيم/ناقدة سورية
لم يكن أدبُ الرّحلة جديداً علينا، فقد وجد قديماً واندرج تحت ما يسمى قائمة كتب التاريخ والجغرافية، أو كتب السيرة الذاتية، حيث يقوم فيه الرّحالة باستكشاف مدن جديدة، أو بقاع لم يرها من قبل ثم يكتب عنها.
وقد عاد هذا النوع الأدبي إلينا في العصر الحديث بوجه آخر، له ملامح متطوّرة، إذ سَمح لنفسه أن يطعّم جسده بألوان مختلفة من الفنون الأخرى، ولعلَّ أقربها إلى روحه فنّ القصة، فصار له خطاب سردي متميز، له سمات خاصة.
وأجزم أنَّ كلَّ سارد – روائي كان أم قاصاً - يستطيع أن يخوضَ غمار السرد الرحلي إن أراد، فهو خطاب سردي بامتياز، يتقاطع كثيراً مع مفاصل فنّي الرواية والقصة ولكن بسرد واقعي لا يستعين بجناحي الخيال ولا يقوم بمفارقات زمنية، ولا قفزات سردية، ولا اجتهادات استشرافية، بل يمشي البناء الزمني مع مسار الزمن.
في كتاب"كعب الجنية" أرادت الكاتبة السورية لينا هويان الحسن وهي روائية وقاصة أن تقوم برحلة داخلية في وطنها سورية، وأن تتسربل بسربال الرحالة، والمعلوم أنَّ الرحالة يقومون بالترحال إلى بقاع بعيدة عن موطنهم لاستكشاف مدن جديدة، لغايات عديدة غير خفية، بينما الكاتبة تقوم برحلتها إلى مكان غادرته قبل سنوات لتعود إليه للضرورة، وقد أوجزتها في مقدّمة الكتاب: "رحلة لأجل استعادة بعض الأوراق الرّسمية التي ظنّنا أننا سنعثر عليها بين بعض الأمتعة التي استطاعت أمي تهريبها." ص2
تبدو هذه الرّحلة مغامرة جماعية شاركتْ بها الكاتبة والديها فيها، لكنها كانت الحكّاءة الأثيرة، والجنية التي لا يُخفى عنها شيء، عادت إلى بيتهم في قرية من قرى حماة، والتي عاث فيها المسلحون فساداً وتخريباً أثناء الحرب السورية، فوثقتها كرحلة بحرفية وأمانة، وذكرت من خلالها ما جرى من أحداث ومواقف وقصص وذكريات، تماماً كما فعل الأولون من الرحالة حين حرصوا على تدوين القصص والمشاهد التي حدثت معهم في كلِّ مكان ارتحلوا إليه.
في كعب الجنية، عادت الكاتبة إلى المكان الأول كما قلتُ، مكان تشربت ماءه، وعرفت أناسه، وخبرت أسراره، وعاشت كما ذكرنا مدّة فيه، وليس كأي رحالة يطأ المكان لأول مرّة ليستكشفه، على الرغم من أن نية الاستكشاف موجودة لديها، فهي تودُّ أن تعرف ما فعل المخرّبون بالمكان، وما محوا من ثقافته وملامحه، فأرادت بطريقة ما أن تعيد إليه ما سُلب منه، فتسترجع ما كان عليه من تاريخ وحضارة بتوثيقٍ جديد يحيي وجهه الذي تعرفه مسبقاً، وهذا يعد إعادة بناء صورة أكثر واقعية للماضي الذي كان لتثرينا ثقافياً.
مما هو متعارف عليه في أدب الرحلة تحديد نقطة معينة تكون بداية الارتحال للرّحالة، ونقطة نهاية للمسير كله، وهذه تعدُّ أهم خصائص أدب الرحلة، وتسمى دورة الخطاب التي التزمت بها الكاتبة لينا هويان الحسن إذ بدأت نقطة رحلتها في مدن جنيات ثلاث، وهن مدن صغيرة قياساً إلى مدن سورية الداخلية، الشهيرة كحمص وحلب والحسكة ودمشق، وهن: قصر ابن وردان والأندرين وأسريا، حيث يقعن في البادية السورية، يمرُّ بهن كلُّ مسافر من حمص إلى الرقة، خاصة أسريا التي نعبرُ الطريق في قسميه المسلفت والترابي ولا نلمح شجرة فيها، فهي من المدن التي لا تلفت الأنظار إليها، ولأنَّ الكاتبة لينا بدوية يسري في عروقها دمُ الجنيات، فهي تعرف الكثير عن عمق البادية، وعن مدنها الصغيرة خلافاً عنا نحن العابرين سريعاً في المكان، تعرفُ ما ظهر منها وما بطن، وتلمُّ بأسرارها ورموزها ، صغيرها وكبيرها، سماءها وطيورها، وحيواناتها، وتحفظ أساطيرها الشعبية التي رُويت شفهياً، وخرافاتها التي مازال السكان يردّدونها حتى صارت واقعاً بالنسبة لهم.
تبدأ بنقطة ما قبل مدينة حماة، من مدينة "الرستن" التي كانت تعرفُ في عهد السلوقيين باسم "اريتوزيا" يحكمها بعض أمراء من العرب من آل شمسغرام، ملوك حمص، بعدها تتجه صوب حماة / مدينة أبي الفداء، أم النواعير المشهورة، ولكي تعرّفنا على ألغاز مدنها أخبرتنا أنَّ هذا يتطلبُ ذاكرة ودم، ولسان النساء: "فلن نفهم ألغاز المدن دون نسائها، إناثها ورباتها الصامدات من الأطوار الأخيرة للثقافات القديمة المنهارة أمام الدين المسيحي، ثم الإسلامي.." ص9. فالنساء لهن دور أساسي في نصوصها كافة، وتفضل أن تسبغ عليهن صفات مائزة لا تعطى إلاَّ لمدن مائزة. وقبل أن ندخل مدنها علينا أن نتعرّف على النساء القريبات جداً من الجنِّ والسحر والأرواح والغرابة: "إحدى قريباتي كانت عرافة شهيرة، وكنتُ على تماس يوميٍّ معها، نساء قويات يجففن جلود الأفاعي ويصنعن منها تمائم سحرية قد تكون قاتلة."
ونمضي معها، ومع عالم الجنِّ والخرافة التي جنحت به عن الأحداث الواقعية التي يؤكدُ عليها أدبُ الرحلة، فالكاتبة ذات خيال خصب، لا تضنُّ به على المتلقي، تقول: "أترون لماذا اخترع البشر الحكايات والخرافات؟! بسبب قباحة الحياة" ص27
ثم تحدّثنا عن ساحة العاصي التي تقع وسط المدينة على أكتاف حوض النهر العاصي: "أخذنا فطورنا من الحلاوة وعش البلبل، وصعدنا طلعة الدباغة ليتسنى لنا المشي على أكتاف حوض العاصي، وعبور الأزقة القديمة، وتلك الأقنية والمقرنصات.."ص7
ونمضي معها في خطابها السردي الرّحلي ونلحظ شخصيتها المتواجدة من البداية حتى النهاية، شخصية الرحالة / الكاتبة حيث تستلمُ زمامَ السّرد، وتتحدّث بلسان حالها، وهذا مطلب أساسي من مطالب أدب الرحلة، تقول: "سعادتي كبيرة وأنا أقرأ لافتات تدلُّ على أسماء القرى" ص4
" ننطلقُ وقد أخذنا زوادتنا من المياه والقهوة."ص14
ثم تبدي رأيها بما تراه وتسمعه: "مشت عمتي، أمسكت بذراعي ووضعتْ شيئاً صلباً ملفوفاً بقماشة، تسلمت على نحو غير متوقع قطعة من الماضي، فخاً، إرثاً حكاية تخصني وحدي، رسالة من مكان غامض حيث يرانا ويراقبنا من هناك، جاء ناب الذئبة في وقته، هنا لمثل هذه الأشياء قيمة سحرية وخرافية كبيرة.." ص86 لا يخفى علينا أسلوب الكاتبة الرشيق في إبراز معرفتها بالمدن وإلمامها العلمي عن الأمكنة التي مرّت بها ، فهذا يدلُّ على غناها المعرفي الذي لم تضن به على قارئها: "كلُّ شيء مختلف هنا، لا تتشابه مدنُ الجن الثلاث التي سأحدثكم عنها من حيث البناء مع طراز الآثار الموزعة في بلاد الشام" ص23
وثمّة معلومات قيّمة عن أناس كان لهم حضورٌ في المكان ذكرتهم مثل الليدي "جين دغبي" التي تزوجت من شيخ بدوي وعاشت في البادية، ثم انتقلت إلى دمشق وسكنت في حي العمارة، وحوّلت منزلها إلى صالون شهير تستقبل فيه الأمراء ورجال السياسة والشيوخ، وهي من أدخلت شجرة المانوليا إلى سورية.
ثم تأخذنا الكاتبة إلى عمق الأسطورة التي لا تتخلى عنها في معظم كتاباتها، وتعدُّ عامل شدٍّ وجذب للمتلقي فتقول:" ويجنُّ جنون الزوجة عناة ذات القرون، فتصارع قاتل زوجها وتتنكرُ بهيئة أسد تارة، وتارة بهيئة أفعى بسبعة رؤوس، ثم تظهر بهيئتها الحقيقية ذات القرون." ص9
ولا تنسى أن تقدّم لنا ما تعرفه عن عادات وتقاليد وطقوس مدن الجن وضويعاتها: "مازال الكثير من البدو يصرون على ارتداء لباسهم التقليدي اللافت، لا تخلو يد من سيجارة تنفث رائحة التبغ الحموي، طلب مني أبي أن أحيط رأسي بشال حتى لا أضطر لسماع كلمة نابية." ص12
وعن عادات البدو في مدنها تقول: "غضت زوجة عمي النظر عن تلك الكائنات، واعتبرت أنها السكان الحقيقيين لهذه القباب، وأنها تتبع ملكة الجن هند بنت الأحمر، المرأة الأفعى.." ص29 وعن معتقداتهم تقول: " لو علق نابُ الذئب على رأس فرس فإنها تسبق الخيل هكذا يعتقد البدو."ص8
وعن الوصف فهي تصف كلَّ شيء، لأن الوصف عدسة الكاميرا التي تنقلُ من خلالها ما تريد إيصاله للمتلقي، فنراها تصف النواعير والجلوس قرب الماء الصاخب الثرثار، وحركة البدو في المدينة، ولا يغيب عن المتلقي وصفها وذكر الأماكن التي استخدمتها بنوعيها: الأماكن المفتوحة كالساحات والطرقات والأماكن المغلقة كالقباب المخروطية، مسبغة عليها صفاتها التاريخية/ الأثرية بشكل مستفيض كوصف قصر ابن وردان ومدينة الأندرين وأسريا والمناطق والقرى الصغيرة:" وصلنا صخرة "ظهر البعير" التي تتوسطها مستطيلات منقورة في الصخر يسميها البدو "حوايا" الحوايا كانت بمثابة أحواض مثالية لتجميع مياه المطر النظيفة، إحدى تلك الحوايا مربعة الشكل وفي وسطها دائرة عميقة، غالباً أنها كانت لعصر العنب أيام الرومان وصنع النبيذ." ص79
وقد التزمت الكاتبة بوصفٍ واقعي مراتٍ عدّة بيد أن الخيال سرعان ما ينفلت ليضفي على الوصف جمالاً: "غدت القبة خلال أقل من ساعة ملعباً حرّاً للروائح." ص58
تتابع الرحلة، بل نشدُّ الرّحال معها، فتتجه مع والديها إلى القرية التي تبعد سبعين كيلو متراً شمالي شرق حماة.
بعدئذ تدخلنا في مشهدٍ لأولى مدنِ الجنِّ وهي "قصر ابن وردان"حيث تقول: "كل ما سأرويه هنا خيالي وخرافي، لربما له صلة خفية وغير واضحة بالحقيقة. "لتسلك أحد طريقين يتجهُ صوب قريتها التابعة لبلدة " الحمراء" وتسردُ علينا حكاية القصر المعجون بماء الورد، وقصة الجنية التي تغضبها المرايا، ثم تقص علينا أوقاتها في ضويعتها، ولقاءها بأقاربها، فتصف البيوت الطينية التي لا تشبه بيوت الإسمنت: "أوضتنا كانت أجمل القباب في القرية، مزدوجة ومكلسة من الخارج، أي مطلية باللون الأبيض .." ص61
بيوت أحرِقتْ معظمها على يد المسلحين، فشوهت وجهها الطيني وأطاحت برؤوسها المدببة، ثم تذهب مع بنات عمها وأزواجهن إلى المدينة الثانية الغامضة التي لا تبعد إلاَّ بضعة كيلومترات وهي "الأندرين" فتبزغ للمتلقي بقايا المدينة البيزنطية وسط برية منبسطة مفتوحة على سبخاتٍ تستقبلُ طيور الكراكي، بعدها تتراحل إلى مدينة أسرية وهي المدينة الثالثة، وتصرُّ على أن الجن موجود فيها فتقول: "عدا عن قباب متداعية في كلِّ واحدة قطنت جنية شرسة، فلا يجرؤ أحد على الاقتراب منها حتى في النهار." ص69
وتعرّجُ على القصور التي فيها، والتي تكون نصف مهدّمة ومتناثرة في أرجاء المعمورة، وقد ارتأى البدو أنه من الحكمة الإجهاز عليها نهائياً. بعدها تنعطف جنوباً عند قرية" كاسون" الشهيرة بقناة العاشق: "التي مدها أمير سلمية قبل قرون طويلة لخاطر أن ترضى عروسه أميرة أفاميا." ص15 ثمَّ تتجه صوب مدينة السلمية حيث تربضُ قلعة شميميس الشامخة كنسر أزلي، قلعة ذكرها أبو الفداء في تاريخه في حوادث سنة 627 للهجرة. في السلمية التي وصلتها الكاتبة وهي آخر محطات رحلتها تنزل في ساحتها الرئيسية، وتزور سوقها، فترى البدو وهم يشكلون بلباسهم وسياراتهم الملمح الرئيسي للسوق، فتشتري حلويات درويش الشهيرة، وتتناول أكلة المعجوقة المكوّنة من اللحم المفروم مع العجين المشوي ثم تقولُ: "عندما انطلقنا خارجين من سلمية كانت السيارة تضجُّ بروائح مختلفة، بينها رائحة حلاوة الجبن والمعاجيق والقهوة تتسيّد الوضع." ص101
وتنهي رحلتها وهي عائدة من حيث أتت.
ما هو لافت في هذا النصِّ الرّحلي الذي امتدَّ على مساحة 101 صفحة، أنَّ الكاتبة جمعت فيه أجناس أدبية مختلفة، ليكون نصاً مفتوحاً على اغواءات شتى وما ينفتح من سحر ومتعة، فبالإضافة إلى فنِّ القصِّ ووصفها القصصي الجذاب للأمكنة والناس استعانت بالشعر، فذكرت بيتاً لعمرو بن كلثوم الوارد في مطلع معلقته حين دخلت مدينة الأندرين، فهذا الاسم ذكّرها ببيت الشعر المعروف:
ألا هبّي بصحنك فأصبحينا......... ولا تبقي خمور الأندرينا.
وخمرة الأندرين هي الخمرة النادرة، المؤثرة جداً، وكما الشاعر يطلبُ من جاريته أن تخرج الخمرة من مخابئها فإنَّ الكاتبة تخرج ما في مدينة الأندرين من عوامل جذب وتشويق فتقول: "بدأ السحر، إذا ما لمحت القباب المخروطية، إذن أنت في أرض مختلفة. ص16
وتطعم النصَّ أيضاً بأمثال شعبية تخصُّ المكان فتقول: "الملدوغ من الحية بيخاف من مسحالها." ص25
كما أنها لجأت إلى الحوار على غرار الحوار في الرواية والقصة: "عدتُ إلى السيارة وكلّي حزن ، فهمت أمي ما فكرت به وقالت بعفوية وتحسّر: ما أحلاها! ص21
كما تناولت السياسة في مسألة الحرب التي أصابت سورية وما نتج عنها من خرابٍ وتدمير من هؤلاء الإرهابيين الذين أتوا بمساعدة دول، وما نزوحها عن قريتها وابتعادها عنها إلاَّ نتيجة الحرب التي وقعت مراراً على المكان، قديماً وحديثاً: "كنتُ طفلة عندما مررنا بالمدينة المنكوبة بقتل عدد هائل من شبابها لأسباب سياسية ودينية وطائفية، من هنا مرَّ أفيون الشعوب وألبس حماة أسود الحداد." ص6
وبينت ما تمَّ من تدمير على يد المخربين في مزرعة أبيها: "قام المسلحون في خريف عام 2012 وتحويل المزرعة إلى مشفى ميداني، ثم فخخت وفجرّت لأجل طلب النقود من الجهة الممولة وهي دولة عربية
طبعاً: "ص2
إنَّ نصَّ "كعب الجنية" يعدُّ بساطاً مختلفة ألوانه الأدبية، محتوياً على موضوعات وقصص عديدة تمَّ تناولها عبر أمكنة وزمان معينين أرثتهما الكاتبة في مكان جغرافي نبشت ما فيه وما آل إليه، وانتقلت إلى آخر وآخر يشبهه تماماً. وحين أكدت الكاتبة على أن المدن الثلاث- لا تتشابه بغيرها من مدن العالم فهي تقصد هنا القباب التي تشتهر بها بيوت بادية حماة اللافتة للنظر.
أثناء قراءة النصّ الرحلي أدهشتنا الكاتبة لتطريزها إياه بتلك المنمنات في الجسد المسرود كالخرافة، والأسطورة، والتاريخ، وطريقة الحكي وذكريات الماضي في القرية والمدارس التي درست فيها في مناطق قريبة وبعض الذكريات في قرية جدّتها، وذلك للجذب والمتعة، فكانت شهرزاد تجيد الحكي فتبئر ذاتها في الأمكنة التي تمضي فيها مكاناً تلو الآخر، فتلفت انتباهنا إلى عالم عاشته ولم تستطع الاستغناء عنه، قبلته بوجهه الدميم الذي خرّبته أيد المجرمين وعاثت فيه فساداَ وقبحاً، لأن اغتيال الأمكنة كاغتيال البشر، ليتها توسعت في الظلم الذي حصل على أيدي هؤلاء، وأظن أنَّ عدداً من الرّحالة قد فعلها، نذكر على سبيل المثال ما رواه أحمد الحجري الشهير ب "أفوقاي" ذكر حين هرب من الأندلس بُعيد سقوطها فقد رأى مجازر، وشهد عمليات القتل، ووثق الخراب وتدمير الحجر والشجر في كتاب له، كان من الممكن أن تتوسع في مشاهد إجرام المسلحين، فتأسر عاطفتنا في سلتها وتبكينا كما أبكت مشاهد في الهند ابن بطوطة، مشاهد حرق النساء لأنفسهن وفاء منهن لزوج مات، في طقوس غريبة، مؤثرة جعلته يغمى عليه. ومع ذلك حاولت أن تأتي الأمكنة المذبوحة وتحكي عن خرابها وأعضائها النازفة، تمسك بيد قارئها وتنفخ فيه عشق المكان، بالعودة إلى ماضيه الذي قد نراه في معظم المواسم مترباً، لكنها بوصفها جنية من جنياته تجعلك تراه معشباً، لأن لينا كاتبة متميزة تخلق من لغتها سرداً مشوّقاً وداهشاً، تقدّم لقارئها ما يقدّمه نصُّ الرحلة من اغراءات لزيارة الأمكنة الغامضة التي حكت عنها.
رحلة "كعب الجنية" للكاتبة لينا هويان الحسن والتي قامت بها تعدُّ شيئاً جديداً في هذا الجنس الأدبي لأن معظم الرحالة قصدوا أراض جديدة، غير مسبوقة وغير مطروقة، ولكن الكاتبة اختارت مسقط رأسها وحدود ضيعتها، ومرّت بمدن صغيرة ، تحدّثت عنها ولم تقم باكتشافها لأنها تعرفها تماماً كما ذكرنا ، يعني تراحلها هنا ليس من أجل الاكتشاف، وإنما لتجعلنا نحن نكتشفه ، فهي لم تعشْ حالة الاندهاش والمتعة، وإنما تركت هذا لنا، خصتنا به كي لا نمرَّ مروراً سريعاً ، وإنما نقصد قرى "الجفتلك" باندفاع كبير وفي رأسنا فكرة تعقب الجنيات.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي