loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

الاُختان

breakLine
2026-01-14

 

جيمس جويس/شاعر أيرلندي
عباس عبد الخضر/مترجم عراقي 

ما من امل له هذه المرة: اذ انها السكتة القلبية الثالثة والضربة القاضية. ليلة بعد ليلة, كنت امر من امام داره(  حينها كنا في عطلة )  واتفحص المربع المضيء للنافذة. وليلة بعد ليلة, كنت اجده مضيئا بالكيفية نفسها, خافتا وساكنا. فأقول لنفسي انه لو كان ميتا لرأيت انعكاس الشموع على الستارة الداكنة لأن شمعتين- كما علمت- يجب ان يوضعا عند جثمان الميت. كان يردد علي قوله انه عما قريب راحل عن هذه الدنيا, و كنت ارى انها كلمات خاوية خالية. اما الان فقد اطلعت على وجه الحقيقة فيها. في كل ليلة كنت انظر فيها الى النافذة كنت اقول لنفسي في صوت خفيض كلمة " الشلل" وكان لها دوما وقع غريب عجيب على مسمعي, مثل كلمة متوازي اضلاع ينقصه ضلع او كلمة المتاجرة في الدين في كتاب لتعليم الدين. اما الان فصار وقعها كوقع سماع اسم شيء او كائن يبوء بالاثم وقد ملئت منها رعبا, ومع ذلك تقت لأن اقترب منها والقي نظرة الى فعلها الآبق الشنيع. الذي هو جثمان القسيس.

عندما هبطت الى الدور السفلي لتناول العشاء وجدت كوتر العجوز جالسا امام المدفأة, غليونه بيده, وهو ينفث الدخان. وبينا عمتي تغرف لي من العصيدة بعضا, انشأ يتحدث وكأنه يستأنف حديثا قد توقف عنه قبلا.
-كلا, ما قلت انه كان على هذا النحو....بيد ان فيه شيئا...عجيبا وغير مألوف, دعوني اخبركم بما ارى...

وهنا جعل ينفث الدخان من غليونه. لا ريب انه يعدل له رأسه ويرتب افكارة ليكون رأيه. العجوز الاخرق الخرف, كم كان مثيرا لحماسنا وتشويقنا عندما عرفناه لأول مرة. كان يتحدث عن عمليات التقطير والتخمير, بيد انني قد نال مني الضجر فمللته وقصصه التي لا نهاية لها والتي كانت تعاد في كل مرة عن التخمير والتقطير.
- اني اتيت بنظريتي الخاصة عن هذا الامر...اعتقد انها إحدى تلك الحالات... الحالات الغريبة... ولكن يصعب الجزم ان...

وهنا استمر بنفث الدخان من غليونه من غير ان يكشف لنا عن نظريته. و نظر عمي نحوي فرآني احدق  اليهما, ثم قال لي 
- فلتهن عليك المصائب. رحل صديقك فلاين العجوز.

فقلت: من ؟

-الاب فلاين

-هل هو ميت ؟
-ها هو المستر كوتر ينقل الينا الخبر. لقد كان يمر بالقرب من داره.

واني اذ علمت ان عيونهم كان مثبته علي تراقبني, تابعت مضغ طعامي كأن الخبر لا يعنيني ولا يقع من نفسي في شيء. وانشا عمي يفسر للمستر كوتر قائلا:

-كان الولد والاب فلاين رفيقين مقربين وقد نال على يده قدرا غير قليل من المعرفة ولاحظ انهم يقولون ان للأب فلاين في هذا الولد اماني عظيمة.

وهنا تحدثت عمتي في وداعة وخشوع:

  • ليتغمد الله روحه بالرحمة والرضوان.

وهنا جعل العجوز كوتر يدقق النظر في فأحسست انه آخذ يتفحصني ويلقي علي نظرات ثاقبة بعينيه الصغيرتين السودادوين بيد انني لم اشأ ان انيله مبتغاه وارفع له عيني عن صحن العصيد فبقيت مجفلا عنه. و رد بصره لغليونه ثم بصق نحو النافذة في شيء من الفجاجة.

وقال: ما كنت لأترك اولادي يتحدثون الى رجل مثل هذا

وهنا قالت له عمتي: ما الذي ترمي اليه ؟
- اقصد انه من المضر بالاطفال الصغار . اقصد اننا نفعل الصواب لو تركنا  الاطفال الصغار يلهون ويلعبون مع اترابهم وخلطائهم وان لا...الست على صواب يا جاك؟
فقال عمي لصاحبه وهو يحاوره : هذا مبدئي ايضا بل اعتقد ان عليه ان يتعلم كيف يدافع عن نفسه. كم مرة قلت له ان عليه ان يدرب جسده ان يشد عوده ويقوي ساعده. الم اكن ولدا صغيرا! بل كنت استحم بالماء البارد لا بالي في الصيف كنا ام في الشتاء, وهذا ما اعانني على الدنيا. ان التعليم و الانكباب على الدروس امر راقٍ يشار الى صاحبه بالبنان...ناولي المستر كوتر قطعة من فخذ الضأن .
- كلا كلا, سلمت يداكِ

وهنا احضرت عمتي طبقا من خزانة حفظ الاطعمة و وضعته على المائدة.

ثم قالت: ولكن يا مستر كوتر, لماذا تعتقد انه مضر بالاولد الصغار؟
- ليس من مصلحتهم.أن لهم عقولا سريعة التأثر ونفوسا هشة. وعندما يرى الصغار اشياء من هذا وذاك. فكما تعلمين...يكون لها تأثيرها.

وهنا لجأت الى العصدية واولجت منها لقمات كبيرة في فمي حتى حشوته بها لكي لا اطلق العنان لغضبي واخلي عن لساني فاتفوه بما لا تحمد عقباه.يا للوغد العجوز ذو الانف الاحمر الاخرق ما اضناه.

في ذلك اليوم, بقيت ساهرا لوقت متأخر.  أجتر الأفكار في رأسي واعصر دماغي لأستنبط معنى ما قاله العجوز كوتر في جمله المتقطعة المتكسرة, رغم اني كنت حانقا عليه للأشارة لي بالطفل الصغير وفي قلب ذلك الظلام الذي يكتنف ارجاء غرفتي خيل الي انني رأيت الوجه الثقيل الشاحب للرجل المشلول, فسحبت البطانية على رأسي وحاولت ان اشغل تفكيري بعيد الميلاد المجيد, بيد ان الوجه الشاحب الراشح بالثقل استمر بمراقبتي وجعل يتمتم, ففهمت انه يريد الاعتراف بشيء ما. ثم شعرت أن روحي تنسحب الى عالم آخر... عالم بهيج وخطير وهناك ايضا وجدت ذلك الوجه ينتظرني. وتساءلت في خاطري لماذا يبتسم في استمرار وهو يدلي بأعترافة في صوت خفيض, ولماذا كانت شفتاه مرطوبتين باللعاب, ولكني تذكرت انه مات مشلولا وخيل الي انني ايضا كنت ابتسم ابتسامة طفيفة كما لو انني اريد له غفران لعنة ذنب ارتكبه او خطيئة اخطأها.

ذهبت في صباح اليوم التالي, بعد الفطور لألقي نظرة على داره الصغيرة في شراع غريت برتن التي يتقدمها دكان بسيط تعلوه لافتة كتب عليها " اقمشة " اسم غريب لدكان تباع فيه احذية الاطفال و المظلات وفي الايام الاعتيادية  تعلق لافتة صغيرة على النافذة مكتوب عليها  " نعيد تغليف المضلات". لم تعلق اللافتة اليوم فقد رفعت عرائش النافذة. وربطت باقة من الزهور الى قارع الباب بشريط.وقفت امرأتان يبدو عليهما اثر الفاقة والى جنبهما وقف فتى البريد وهم يقرأون ما جاء في البطاقة المرفقة  مع الباقة. دنوت منهم انا ايضا وقرأت:

الاول من تموز 1895

الاب جيمز فلاين (  سابقا قس كنيسة القديسة كاثرين في شارع ميث), عن عمر يناهز الخامسة والستين.

ارقد بسلام

وهنا ايقنت فور ان وقعت عيني على البطاقة انه مات فعلا. فتسمرت في مكاني مضطربا. لو لم يكن ميتا لذهبت الى الغرفة الضئيلة القاتمة القائمة خلف الدكان ولوجدته جالسا في كرسية جنب الموقد يكاد يختنق بمطفه الكبير. ولربما تكون عمتي اعطتني علبة من السعوط الفاخر لأهديها له, فتقيمه هذه الهدية من غفوته او ذهوله. وكنت انا دائما من يفرغ له العلبة في صندوق السعوط الاسود, اذ لم يكن يقدر ان يفرغ السعوط دون ان يكب نصفه على الارض  لشدما ترتعش يديه. حتى اذا ما رفع يده الضخمة المرتعشة الى انفه تناثرت من بين اصابعه زخات من السعوط كأنها زخات من المطر لتستقر على  صدر معطفه. لا بد ان ذرات السعوط المتناثرة في استمرار  هي ما اعطت سجاده الكهنوتي العريق لونه الاخضر الباهت, وذلك ان منديله الاحمر لم يعد ذا نفع بعد ان إسودّ وامتلأ وامتلئ بقعا من حبات السعوط التي كان يحاول ان يمسحها عن صدره في كل يوم على مدار الاسبوع. 

لشد ما اتمنى لو ادخل عليه وانظر اليه ذلك اني لم املك ما يكفي من الشجاعة لأطرق الباب.  و مشيت الهوينا مبتعدا عن الدار على الجانب المشمس من الشارع وانا اقرأ اثناء مروري بالدكاكين الاعلانات المسرحية الملصقة على نوافذها. وعجبت من نفسي التي لم تكن في حزن ومن اليوم الذي لم يبدو عليه جو الحداد. بل احسست بالانزعاج لدى ادراكي شعورا بالحرية في نفسي. وكأن موته قد حرر شيئا في روحي او انها سلطة خفية كانت تقيدني. وعجبت لذلك بيد انه اهتم بتعليمي فقد نقل الي قدرا معتبرا من المعرفة, وقد صرح بذلك عمي في الليلة السابقة, اما هو فقد نال تعليمه في المدرسة الايرلندية في  روما وعلمني اللغة اللاتينية ونطقها الصحيح وقص على مسمعي حكايات عن سراديب الموتى وعن نابليون بونابرت وبين لي معنى الطقوس بأنواعها والاردية الدينية التي يرتديها القساوسة بألوانها. كما كان يسلي نفسه في بعض الاحايين بتوجيه اسئلة تعجزني, فيسألني ما الذي يجب على المرء ان يفعله في ظروف كيت وكيت وما اذا كانت كذا وكذا خطيئة من كبائر الذنوب او صغائرها ام انها ببساطة نقص في الكمالات. جعلتني هذه الاسئلة على دراية بمدى صعوبة و تعقيد هذه النظم والقوانين الكنسية التي كنت احسبها سهلة هينة. وبدت لي واجبات وتكاليف القس تجاه الايخراستا وتجاه الاعتراف بالذنوب, اقول انها بدت لي خطيرة وجادة وانشأت افكر في خاطري عن الكيفية التي يقدر بها المرء ان  يرى في نفسه ما يكفي من الشجاعة ليتعهد بالتزام هذه التكاليف المضنية. وما اصابني الذهول يوم اخبرني ان لآباء الكنسية من المؤلفات ما يبلغ من الضخامة قدر كتاب دليل البريد وهو الذي يبلغ الف صفحة او يزيد بل ومطبوع بحروف متقاربة وخط صغير كذلك الخط الذي تكتب به سنن القانون في الجرائد. وكل هذه الصفحات لتوضيح تلك المسائل المعقدة. وفي بعض الاحايين التي كنت افكر فيها بجواب على اسئلة الاب العجوز كنت اعجز عن الاجابة او آتي بجواب بليد وازيد الطين بلة بالتلكؤ, فما يكون منه الا ان يبتسم ويومئ برأسه ايماءتين او ثلاث. اعتاد في احيان اخرى ان يتلو علي ردود القداس التي جعلني احفظها عن ظهر قلب وحين كنت اتعلثم في القائها عليه كان يقابلني مبتسما ابتسامة من يتأمل في شيء في خاطره ويهز رأسه ويدفع بين الحين والحين كمية من السعوط في احد منخريه بالتناوب. وكان حين يبتسم تنفرج عن شفتيه اسنان مسودة كبيرة ويخرج طرف لسانه ليستقر فوق شفته السفلى وهي عادة طالما جعلتني اقلق في بداية معرفتي به و قبل ان اعرفه جيدا.

تذكرت كلام كوتر العجوز وانا في طريقي تحت اشعة الشمس. فحاولت ان استرجع ذكرى الحلم وان اعرف  ماذا حدث بعد ذلك فيه. وتذكرت بعد لأي اني لاحظت  وجود ستائر مخملية طويلة ومصباحا انتيكيا يتأرجح يمينا وشمالا. وخيل الي انني في مكان بعيد جدا وفي بلاد بعيدة حيث التقاليد الغريبة وجال في خاطري انني ربما اكون في بلاد فارس الا انني لم اكن قادرا على تذكر ما آل اليه المنام.

عندما هبط قرص الشمس ملقيا اشعته المنسابة من بين القزع على زجاج نوافذ البيوت المطلة نحو الغروب فتتلألأ في ضوء ذهبيٍ ضاربٍ الى اللون البني. اصطحبتني عمتي معها لنزور بيت العزاء.  استقبلتنا ناني في قاعة الاستقبال. واذ انه من غير اللائق ان تسلم عليها عمتي بصوت مرتفع اقتربت منها وصافحتها واشارت المرأة العجوز  الى اعلى الدرج على نحو استفهامي فأومأت عمتي بالايجاب وعند ذلك جعلت تناضل للصعود الى اعلى السلم الضيق القائم امامنا. ورأسها المنحني لا يكاد يبلغ سكة الدرابزين وعند بلوغها منبسط السلم توقفت واشارت الينا مشجعة ان نلحق بها تجاه الباب المفتوح للغرفة التي فيها جثمان المتوفى. دخلت عمت وترردتُ بالدخول فلما رأت عمتي انني ترددت في الدخول في الدخول انشأت تشير الي مرة اخرى واخرى بيدها لتطلب مني ان اتقدم. 

دخلت وانا اسير حذرا خشية ان اصدر اي صوت كالذي يسير على اطراف اصابعة. وكان الضوء  الذي يخترق اطراف الستارة المزخرفة يملأ ارجاء الغرفة نورا ذهبيا فستقيا طغى على  نور الشمعتين واحالهما الى شعلتان رقيقتان شاحبتان. وكان الجثمان ممددا في التابوت, تقدمتنا ناني لأداء الصلوات فجثونا على ركبنا بجوار قدم السرير. اما انا فجعلت اتظاهر بأني اقيم الصلاة معهم بيد انني لم اكن قادرا على جمع شتات افكاري التي اخذت تتبعثر في رأسي بفضل تمتمات المرأة العجوز. واخذت الاحظ تنورتها الخرقاء المعقوفة من الخلف ونعال حذائها الجلدي المداس من جانب واحد وهنا خيل الي ان القس العجوز آخذ بالابتسام وهو راقد في تابوته.

اقول كلا, اذ اننا لما نهظنا وتقدمنا نحو رأس التابوت نظرت اليه ولكن لم يبد على وجهه اي رسم للابستام. كنت اذا رأيته وهو في رقدته تلك تشعر بعظمته وخطورة شأنه. عليه ثياب كهنوتية وكأنه في اتم الاستعداد لخدمة المذبح والقداس الالهي. وبين يديه العظيمتين وضع كأس القداس على نحو يجعلهما تمسكان به. اما وجهه فكان صارم القسمات وشاحبا يتوسطه منخران سوداوان مثل كهفين مدلهمين ومحاطين بشعر ابيض خفيف وناعم مثل الفرو. وكان هناك رائحة فواحة عطرة- انها الزهور.

اختتمنا الصلاة بأداء علامة الصليب على انفسنا وخرجنا من الغرفة. في غرفة صغيرة في الطابق الارضي وجدنا إلزا جالسة في كرسي ذي ذراعين في هدوء و وقار. تحسست طريقي متجها نحو كرسسي المعتاد عند الزاوية. فيما ذهبت ناني الى خزانة جانبية وأتت بأبريق من الشيري وبعض كؤوس النبيذ و وضعتها على المنضدة ودعتنا ان نشرب بعضاً من النبيذ. عند اشارة اختها صبت لنا بعض الشيري في الكؤوس وناولتها لنا. والحت علي ان اتناول شيئاً من بسكويت الكريمة ولكني امتنعت خشية ان اصدر صوتا وانا اقضمه.  ف بدت عليها خيبة امل طفيفة ثم ذهبت في هدوء الى الاريكة حيث جلست خلف اختها. لم ينبس احد منا ببنت شفة وأكتفينا بتقليب النظر في الموقد الفارغ.

بقيت عمتي تنتظر في صمت حتى تنهدت إلزا ثم قالت العمة:

-الحمد لله, انما هو انتقال من هذه الدار الى دار ربه العامرة.

ثم تنهدت إلزا اخرى وحنت رأسها موافقة. وراحت عمتي تداعب عقب الكأس بأصابعها قبل ان ترتشف منه بعضا ثم قالت: هل هو قد...في سلام؟

فقالت إلزا : آه جدا يا سيدتي, لقي نحبه وهو ساكن النفس. ما كنتي لتعلمي متى لفظ آخر انفاسة. قد حباه الله بميته مطمئنة هادئة. فليتقدس اسمه.

  • وهل كل شيء...؟
  • كان الاب اوروك معه حين حضره الموت في الثلاثاء وهو الذي دهن جسمه بالزيت وجهزه واعد كل شيء.
  • كان يعلم اذن؟
  • سلم امره لله وكان مستسلما للموت.
  • يبدو على مظهرة الاستسلام للموت.
  • ذلك ما قالته المرأة التي استدعيناها لتغسل الجسد. قالت انه الى سنة النوم اقرب منه الى سكرة الموت. نعم لقد بدا بهذا القدر من الطمأنينة والسلام. من كان يعتقد انه تارك خلفه مثل هذه الجثة الجميلة.

فقالت عمتي : اي والله.

واخذت رشفة من كأسها ثم قالت: حسنا يا مس فلاين, على كل حال, لا شك ان تمس الراحة قلوبكم ان تعلموا انكم قد فعلتم ما بوسعكم لأجل راحته. والحق يقال, كنتما كليكما طيبتين معه وحسنتي المعشر.

وهنا مسدت إلزا ثوبها عند ركبتيها ثم قالت: يا لجيمس المسكين. يعلم الله انا قد ادينا من واجبنا و عملنا ما بوسعنا مع ما بنا من الفاقة والعوز, ما تركناه في حاجة او نقص ما دام في هذه الدنيا ابدا وما دام فينا عرق ينبض وفي هذه الاثناء مالت ناني برأسها فوق وسادة الاريكة بعد ان داعب النعاس اجفانها وأنشأت تتأرجح بين النوم والانتباه.

 

قالت إلزا وهي تنظر الى اختها : وهذه ناني المسكينة منهكة وخائرة القوى, كل العمل الذي قمنا به انا واياها من احضار المرأة لغسله وتمديد جسده في التابوت والنعش الى ترتيب امور القداس في الكنيسة الصغيرة ولولا فضل الأب اوروك لبقينا لا حيلة لنا ولا ندري كيف نصنع. انه هو الذي احضر تلك الزهور وتينك الشمعدانين من الكنيسة وكتب اشعار الوفاة لمجلة فريمانز جينيرل وتكفل بالعمل على جميع اوراق المقبرة وتكاليف الدفن لجيمس المسكين.

فردت عمتي: اليس هذا بأبن حلال.

فأغلقت إلزا عينيها وهزت رأسها على مهل وأنشات تقول

  • آهن لعمري ما اجد اصحابا مثل الاصحاب القدامى إلا انه بعد كل شيء و في نهاية المطاف. ما من صاحب يستطيع المرء ان يوليه ثقته الكاملة.
  • بالضبط. وانا كلي ثقة انه الان, وهو  يرتع في روضة من رياض الجنان, لن ينساك او ان ينسى حسن عشرتك.
  • آهن على جيمز المسكين. ما نالنا منه مضرة او نصب. لم تكوني لتسمعين له صوت كما لا يصدر منه صوت الان. مع ذلك اعرف انه قد رحل وانتهى كل شيء وما الى ذلك...
  • يبدأ الشوق يا سيدتي عندما ينتهي كل شيء ولا نعود نرى منه شيء.
  • واحر قلباه ذلك ما اعرفه حق المعرفة. لن يكون هناك جيمز لأحضر له كوب شايه بعد اليوم ولا انتي يا سيدتي لن ترسلي له علبة من السعوط.

وهنا انقطعت عن الكلام وبدت كأنها تسترجع شيئا من الماضي. ثم اردفت في شيء من الوداعة:

  • ولكن اقول لكِ انني لاحظت ان في شخصيته شيئا غريبا مؤخرا. انه كلما اتيته بوعاء من الحساء كنت اجده مستلقيا على كرسية فاغرا فاه قد سقط كتاب الصلاة من بين يديه الى الارض.

وهنا رفعت احد اصابعها و خلته على انفها وقطبت ثم اردفت
-كان انسانا هادئا. يقول لنا على الدوام انه سوف يذهب في نزهة قبل انقضاء الصيف, في يوم رائق وجميل, فقط ليرى الدار القديمة التي ولدنا فيها, الى الجنوب في بلدة ايرلندية صغيرة. وانه سوف يأخذني وناني معه. فقط لو ان لنا ان ندبر واحدة من العربات الحديثة الطراز. من تلك التي لا تجلجل عند سيرها كما اخبره الاب اوروك. ومع العجلات القديمة ستكون تكلفة اجرتها ليوم واحد تكلفة معقولة. يمكن ان يدبرها من جوني روتش في الجانب الاخر من الشارع هناك. ثم ينطلق بنا نحن الثلاثة في مساء احد ايام الاحد, يا لجيمس المسكين لقد عقد النيه على هذه الامر.

  • رحمتك يا الله على روحه الفقيرة اليك. 

وهنا اخرجت إلزا منديلا ومررته على عينيها ثم اولجته الى مكانه في جيبها وجعلت تحدق في النافذة الفارغة لبعض الوقت من غير ان تدير لسانها في فمها وضلت في صمت وسكون.ثم انشأت تقول:

-لطالما كان شديد التورع والحرص على فعل الصواب, ملتزما بالمبادئ والواجبات الكنسية التي صارت اثقل عليه من ان يقدر على القيام بها فأثقلت كاهله وغيرت من حياته.

فقالت عمتي: نعم. يستطيع المرء ان يرى في جثته رجلا خائب الامل قد ارهقته الايام.

وهنا خيم الصمت على ارجاء الغرفة الصغيرة فتسترت بغطاء من الصمت ايضا ودنوت من المنضدة وتذوقت من الشيري رشفة واحدة ثم عدت ادراجي في هدوء مقطع النظير الى كرسيي في الزاوية.

بدا على إلزا انها غارقة في حالة من التأمل العميق او شرود الذهن وانتظرنا في كل احترام وتقدير لشخصها الكريم, بادرة منها لكسر هذا الصمت المحيط بنا وبعد ان طال انطاعهن عن الكلام قالت في تؤدة وتمهل:

  • كانت تلك الكأس التي كسرها... هي البداية لكل شيء. وقالوا ان ما فعله لم يكن بالامر الجلل وان الكأس كانت فارغة بالاصل. بل ويقولون انه خطأ الولد...الا ان جيمس المسكين كان يعالج بعض الاضطراب في نفسه. ليرحمه الله.
  • وهل هذا كل شيء؟... سمعت ان ذلك....
  • ان لذلك وقعا على عقله. وبعد ذلك اخذ يجلس محزونا مسلما نفسه للعزله. لا يحادث  احدا ويخرج دوما لمفرده. حدث ان طلبوه في احدا الليالي للكنيسة الا انهم ما الفوا له اثرا في اي مكان قد قلبوا كل حجر طلبا له وابحثا عنه الا انهم ردوا خائبين في مساعيهم. وعند ذلك اقترح الكاتب ان ينظروا في الكُنيسة. فأحضروا المفاتيح وفتحوا ابواب الكُنيسة, الكاتب والاب واوروك وقس آخر معهم احضر  معه مصباحا ليبحثوا جميعا عنه. وما برأيكِ انهم وجدوا! غير جيمس جالسا  مستفردا وحيدا في كنف الظلام في صندوق الاعتراف بالخطايا. كان مستقيظا تماما قد ارتسمت على محياه ابتسامة كأنه يبتسمها لنفسه.

وهنا توقفت عن الكلام فجأة كأنها تصيخ السمع لشيء ما, وحاولت ان اسمع انا الاخر الا ان الصمت والسكون كان فظيعا في انحاء الدار وكنت ادرك وجود الرجل العجوز وهو مضطجع في سكون تام في تابوته كما الفيناه يحيط به وقار الموت وهيبته وكأس القداس موضوعة على صدره على نحو فضفاض 

واردفت إلزا: مستيقظا تماما شبه ضاحك لنفسه... فلما رأوه على تلك الحال خيل اليهم ان فيه خطبا من خطوب الزمان او ان نازلة من نوازل الدهر قد حلت به....

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي