loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ما نراه ليس كل الحكاية

breakLine
2026-06-16

 

منى الصالح

لندن، خلفتها في الشتاء كئيبةً كثكلى فقدت من تحب، فأصابها ثقبٌ من فراغٍ تنسحب الحياة منه… لياليها غدت ملبّدةً بالغيوم الداكنة، تأبى الرحيل، راسخة كالجبال، تثقل صدرها. ساعةً تزمجر فتنهمر السماء بأمواج هادرة، وأخرى تنسلّ بهدوء، لكنها تخلّف أخاديد تُصعّب الحياة… صباحاتها تستجدي ساعة شروق، لعلّ الحياة تعود، حيث لا شيء.

وحين عدت إليها صيفًا، فاجأتني: من أين لها كل هذا الشباب؟! هل الحياة تعاود الإنبات من جديد؟ كعروسٍ تتزيّن مبتهجة، تراقص الأنهار بألوان من الزهر، وينتعش العشب مزهوًّا بنضارته، يحتضن الأفراح. كيف واتتها القدرة على النهوض من جديد، وأن تحمل في بطنها كل أصناف الحياة، لتلد دفعة واحدة شمسًا وقمرًا ونجومًا تزيّن السماء، وحدائق غنّاء، وأشجارًا باسقة تكتسي أجمل الألوان، وجبالًا خضراء…

عجيبة هي الحياة، وعجيب هذا الكون، كم يحمل من الأسرار والدروس.

نحتفي نحن بالشتاء، على عكس لندن ، وننتظر قدومه عامًا بعد عام، فللشتاء عندنا طقوس واحتفالات خاصة بنا. الشوارع تزهو بخضرتها، والحدائق تعاودها الحياة. حتى الغيمة الحبلى بالمطر، التي تحيل النهار ليلًا كئيبًا بلندن، هي نفسها تجلب معها السعادة للبيوت. فالمطر في بلداننا نحتفل به كما نحتفل بصباح العيد؛ نخرج تحته راقصين، ويهرول الأطفال فرحين: “مطر… مطر”. نتجمع حول مدفأة، وللشاي معه قصص وحكايا، ونتغنّى بموسيقى حبّاته وهي تطرق نوافذنا.

كيف تختزل الحياة وجوهًا عدة داخلها؟ وكيف يحمل الصيف والشتاء في أعماقهما كل هذه الأضداد؟!
فالصيف هو ذاته كيف يكون حياة بمكان وموات بمكان آخر ؟؟!!

ولماذا لا نأخذ من الطبيعة، أمّنا، الدروس وهي تغدقها علينا بالمجان؟

أليس هذا ما يعلّمنا أن نظرتنا للحقيقة نسبية؟ ما يسعدنا قد يكون سببًا في تعاسة الآخر، وما يرضينا قد يغضبه، وما نراه جميلًا قد يكون بنظره قبيحًا.

حين نجد أمًّا تشكو حركة أطفالها وتعبها ليل نهار، وفناء شبابها ووقتها وصحتها، وأن الحياة غدت روتينًا قاتلًا؛ من صحوها مبكرًا وهي في معترك من احتياجاتهم وتدريسهم ومشاكلهم، لا تنتهي منه إلا وتجدها غارقة في نوم كميت لا تشعر بشيء… وتنظر إليها من بعيد امرأة شارفت الأربعين بعين الغبطة، تتسرّب بين يديها سنوات عمرها، تقتل فرحتها سكون بيت لا حركة فيه، وانتظار مميت لعزف طفل وهو يبكي مناديًا إياها: “ماما”!

وشاب يندب حظه، وينظر لزميله الحر بلا زواج وأطفال بعين الغيرة؛ فهو ما بين عمل أكل روتينه من عمره الكثير، ومساءات مشحونة بالخلافات ومشاكل الأولاد ومتطلباتهم التي لا تنتهي. وخمسيني وحيد يعود إلى بيت بارد بعد عمل شاق، فتتهالك عليه سنوات عمر تناساها في خضم إنجاز بعد إنجاز، حتى وجد نفسه مشحونًا بالوحدة والألم.

كيف نتعلم من الحياة الرضا والقبول، وأن الدوام من المحال؟
وأن في أعماق كل وجه ظاهر هناك وجوه أخرى أعمق وأبعد؟
وأن بالشر الذي نراه قد يكون الخير الكثير الذي يغبطنا عليه الآخرون؟

وأن سماءنا، وإن أدلهمّت بالمصاعب والهموم، لا بد أن تمر كسحابة صيف، ونكتشف ولو بعد حين الخير الوفير الذي كانت تحمله لنا؛ فالإنسان يرى جزءًا من الصورة فقط.

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي