مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سامح قاسم /كاتب وفنان مصري
ما الذي يبقى بعد أن تنقطع السبل؟ يبقى الإنسان نفسه. يبقى ذلك الجزء العنيد من الروح الذي يرفض أن يذعن للهزيمة، ويواصل البحث عن معنى لما جرى، وعن تفسير لما فُقد، وعن لغةٍ قادرة على حمل ما تعجز الحياة اليومية عن حمله. وربما كان الشعر، منذ بداياته الأولى، واحداً من أكثر الوسائل التي ابتكرها الإنسان لمواجهة هذا العجز. فعندما تتراجع القدرة على الفهم، تتقدم القصيدة. وعندما تفشل التفسيرات الجاهزة، تبدأ اللغة في أداء وظيفتها الأعمق. ومن هذه المنطقة تحديداً يمكن الاقتراب من تجربة الشاعرة اللبنانية زينب عساف.
هي ليست من الشعراء الذين يلفتون الانتباه بالظهور المتكرر أو الحضور الكثيف. حضورها الحقيقي يوجد في نصوصها. هناك تتشكل صورتها كواحدة من أبرز الشاعرات في عالمنا العربي المعاصر، بوضوح أكبر من أي تعريف أو سيرة ذاتية. والقارئ الذي يتتبع أعمالها يكتشف سريعاً أنه أمام تجربة انشغلت، منذ بداياتها، بالإنسان في لحظات ضعفه وقوته، في خساراته الصغيرة والكبيرة، وفي علاقته المعقدة بالذاكرة والغياب والزمن.
عرفت الثقافة العربية الحديثة عدداً كبيراً من الشعراء الذين كتبوا عن الحب أو الوطن أو المنفى أو الفقد، لكن القليل منهم استطاع أن يجعل هذه الموضوعات جزءاً من تجربة إنسانية متكاملة تبدو فيها القصيدة امتداداً للحياة، لا تعليقاً عليها. وهذا ما نجحت فيه زينب عساف إلى حد بعيد. فقصائدها لا تبدو منفصلة عن التجربة الشخصية، ولا تتعامل مع المشاعر لكونها موضوعات أدبية جاهزة، وإنما باعتبارها حقائق معاشة تركت آثارها العميقة في النفس.
حين نقرأ أعمالها نشعر بأن الذاكرة تحتل موقعاً مركزياً في مشروعها الشعري. لكن الذاكرة عندها ليست مجرد استعادة لأحداث مضت، ولا محاولة لتجميل الماضي أو الحنين إليه بصورة عاطفية. إنها وسيلة لفهم الحاضر. فالماضي قد يكون في قصائد الكثيرين زمناً منتهياً، لكنه في قصائدها، قوة مستمرة التأثير. الأشخاص الذين رحلوا يواصلون حضورهم. الأمكنة التي ابتعدت عنها تظل جزءاً من تكوينها. السنوات التي انقضت لا تتوقف عن إرسال إشاراتها إلى اللحظة الراهنة.
ولعل هذا ما يفسر كثافة حضور الغياب في كتابتها. فالغياب واحد من أكثر الموضوعات رسوخاً في تجربتها. لكنه لا يحضر من باب الشكوى، فهو ليس ندباً أو بكاءً على ما فات. هو حقيقة إنسانية كبرى. فكل حياة تتضمن أشخاصاً يغادرون، وأماكن تتغير، وعلاقات تنتهي، وأحلاماً لا تكتمل. وما يهم الشاعرة ليس الحدث نفسه، وإنما أثره الطويل في النفس البشرية.
تبدو زينب عساف منشغلة دائماً بما يبقى بعد انتهاء الأحداث. ماذا يحدث للإنسان بعد الفقد؟ ماذا يفعل بعد الخذلان؟ كيف يواصل حياته بعد أن تتغير صورته عن العالم؟ هذه الأسئلة لا تُطرح مباشرة في قصائدها دائماً، لكنها تشكل الخلفية العميقة لكثير من نصوصها.
ومن هنا تأتي أهمية التفاصيل في كتابتها. فهي لا تعتمد على الأفكار الكبرى بقدر اعتمادها على الوقائع الصغيرة التي تكشف تلك الأفكار. نظرة عابرة، ذكرى قديمة، حديث قصير، صورة محفوظة في الذاكرة، مناسبة عائلية، غياب شخص اعتادت حضوره. مثل هذه التفاصيل تتحول في قصائدها إلى مفاتيح لفهم قضايا أوسع تتعلق بالزمن والهوية والانتماء والعلاقات الإنسانية.
ومن يقرأ أعمالها يلاحظ أيضاً أن العائلة تحتل مكانة خاصة في عالمها الشعري. الأم والأب والأبناء والأقارب ليسوا شخصيات عابرة. إنهم جزء من البنية العاطفية للنص. وهذا ما يمنح قصائدها صدقاً خاصاً. فهي لا تتحدث عن البشر من الخارج، لكنها تراهم جيداً من واقع التجربة الإنسانية نفسها. تعرف ما تفعله المحبة بأصحابها، وما يتركه الفقد في نفوسهم، وما الذي يحدث حين يتحول شخص كان جزءاً من الحياة اليومية إلى ذكرى.
ولا يمكن الحديث عن زينب عساف من دون التوقف عند علاقتها باللغة. فهي تنتمي إلى جيل أدرك أن الشعر لا يحتاج إلى الزخرفة الكثيفة كي يكون مؤثراً. وهو ما جعل لغتها واضحة، لكنها ليست بسيطة بالمعنى السطحي للكلمة. الوضوح عندها نتيجة نضج فني، لا نتيجة فقر لغوي. وهي تدرك أن الكلمات كلما اقتربت من التجربة الإنسانية الحقيقية ازدادت قدرتها على التأثير.
لهذا السبب وغيره لا يشعر القارئ وهو يقرأها بأنه أمام استعراض بلاغي أو محاولة لإبهاره. يشعر بأنه أمام صوت يريد أن يقول شيئاً حقيقياً. وهذه من أصعب المهام في الشعر. فالكثير من النصوص تستطيع أن تكون جميلة، لكن القليل منها يستطيع أن يكون صادقاً ومؤثراً في الوقت نفسه.
ومن الجوانب المهمة في تجربتها أيضاً علاقتها بالمكان. فهو جزء من تكوين الشخصية نفسها. المدن والبيوت والشوارع والبلدان البعيدة كلها تحضر في نصوصها باعتبارها عناصر ساهمت في تشكيل الوعي والذاكرة. ولذلك تبدو علاقتها بالمكان علاقة نظر عميق وفهم أكثر منها علاقة وصف وتسجيل.
لكن الجانب الأكثر أهمية في تجربتها ربما يتمثل في قدرتها على الحفاظ على البعد الإنساني في الكتابة. فالشعر عندها محاولة دائمة لفهم الإنسان. الإنسان الذي يحب ويخسر، ويتذكر وينسى، ويغادر ويعود، ويبحث عن الطمأنينة في عالم كثير الاضطراب.
ربما هذا ما يُفسر لماذا تبدو أعمالها قريبة من القراء على اختلاف تجاربهم. فكل قارئ يستطيع أن يجد فيها جزءاً من حياته الخاصة. يستطيع أن يتذكر شخصاً فقده، أو مكاناً ابتعد عنه، أو مرحلة انتهت، أو أملاً تأجل. وهذا ما يمنح الشعر قدرته على الاستمرار. فالنصوص لا تعيش بسبب جمالها اللغوي فقط، النصوص تبقى دائماً وأبداً بسبب قدرتها على ملامسة خبرات البشر ومشاعرهم الأساسية.
في عالمنا المعاصر تتزايد أسباب القلق. الحروب لا تتوقف، والنزاعات تتكاثر، والعلاقات الإنسانية تصبح أكثر هشاشة، والإيقاع السريع للحياة يترك كثيرين في حالة دائمة من التعب النفسي. وفي مثل هذا العالم يكتسب الشعر أهمية إضافية. لا لأنه يقدم حلولاً، وإنما لأنه يساعد الإنسان على فهم نفسه. وزينب عساف تنتمي إلى هؤلاء الشعراء الذين ينظرون إلى الكتابة بوصفها وسيلة للمعرفة الإنسانية قبل أي شيء آخر.
إنها شاعرة تعرف أن الحياة ليست سلسلة من الانتصارات المتواصلة. تعرف أن الخسارة جزء من التجربة البشرية، وأن الضعف ليس عيباً، وأن الأسئلة الكبرى لا تجد دائماً إجابات نهائية. ولذلك تترك مساحة واسعة لإعادة النظر، وتمنح القارئ فرصة المشاركة في بناء المعنى بدلاً من فرضه عليه.
وعندما ننظر إلى مجمل تجربتها الشعرية نرى مشروعاً أدبياً متماسكاً يقوم على النظر المتأني والعميق للحياة. النظر إلى ما تفعله الأيام، وما تخفيه الذكريات، وما يتركه الغياب في النفوس، وما تصنعه المحبة في البشر. وهي موضوعات قديمة بقدم الإنسان نفسه، لكنها في شعر زينب عساف تكتسب حيوية جديدة لأنها تنبع من تجربة حقيقية ومن رؤية ناضجة للعالم.
ما يميز زينب عساف هو أنها تواصل، عبر الشعر، طرح الأسئلة الأساسية التي شغلت البشر منذ البداية: كيف نعيش؟ كيف نواجه الفقد؟ كيف نحافظ على ذاكرتنا؟ وكيف نستمر بعد الخسارات المتكررة؟
تلك هي الأسئلة التي تمنح أعمالها قيمتها الحقيقية. وتلك هي الأسباب التي تجعل تجربتها واحدة من التجارب الشعرية العربية الجديرة بالقراءة. فقصائدها لا تعد القارئ بالسعادة، ولا تقدم له يقيناً جاهزاً، لكنها تمنحه شيئاً أكثر أهمية: فرصة للتفكير في حياته الخاصة، وللنظر إلى تجاربه الشخصية بعين أكثر هدوءاً وعمقاً وفهماً.
وبعيداً عن قصائدها الأقرب إلى ذائقتي، كنت من القلائل الذين أتيحت لهم فرصة قراءة عمل روائي لها لم يُنشر بعد. هذه التجربة القرائية أضافت بعداً مختلفاً لفهم مشروعها الكتابي، لأنها كشفت عن قدرة سردية لا تقل نضجاً عن تجربتها الشعرية. الرواية، رغم صغر حجمها، كانت مكتملة البناء من حيث اللغة والتكوين السردي والشخصيات وتطور الأحداث، وبدت قادرة على طرح أسئلتها دون اعتماد على الحشو أو التوسع غير الضروري. انتهيت من الرواية حينها وأنا أطرح على نفسي سؤالاً: كيف لكاتب أن يجمع الجمال من أطرافه هكذا، ثقافة واضحة تحكم الرؤية، وقصائد تجاور القلب، ورواية تشير إلى الألم والجمال من كل اتجاه.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي