مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إبراهيم رسول
ناقد | عراقي
منذُ مراحل مبكرة من تطور الأدب العربي, وجد الأدباءُ في الحيوان وسيلةً فنيّةً للتعبّير عن الإنسان, وقد ألّفوا كتبًا في هذا, ولعل أشهرها كتاب الحيوان للجاحظ, ومعلوم أنَّ العميد طه حسين قد تأثر بالجاحظ تأثيرًا كبيرًا, ومعلوم أيضًا أنَّه قرأ كتابه هذا, قراءة تأمّل وتدبّر, فأحبّ أنْ يمارسَ العميد لُعبةً عقليةً وفنيّةً ويضع كتاباً يضمر فيه أشياء ويظهر فيه أشياء أخرى, فكتاب جنة الحيوان, عبارةٌ عن قصص كان الحيوان هو الرمز المباشر الظاهر فيها, لكن في الحقيقة أنّ المقصود هو الإنسان بما له من قضايا تخصّه, فالكتابُ ليسَ كتابًا في الحيوان, بل كتابًا في الأدب, والفلسفة والنقد, لأنَّ القارئ لكتب العميد لا يستطيع أنْ يُفصلَ العميد عن هذه الثلاث التي برع فيها أيّما براعة, فهو يقدمُ نقده بأسلوبٍ شيّقٍ لدرجةِ أنَّك لا بُدَّ أنْ تميلَ إليه من حيث تشعر أو لا تشعر.
يؤنسنُ العميدُ الحيوان, ويسندُ إليه فعل الكلام والرأي ليقول ما يصعب قوله الإنسان, فمن يُحاسب الحيوان على كلامه أو فعله أو رأيه! ففي هذا السياق الذي يرمز إليه العميد, تكون دلالة هذه القصص لتعبّر عن أبعادٍ رمزيةٍ إنسانيةٍ وأخلاقيةٍ واجتماعية, فالحيوانات ليست كائنات مستقلة بقدر ما هي قناعٌ فنيٌ يُجسد طبائع البشر وتناقضاتهم, وتكشفُ جوانبَ من النفس الإنسانيّة في صراعها مع السلطة والمصلحةِ والخوف والطموح.
فقيمةُ القصصِ هذه لا تكمن في طرافتها الحكائية التي برع فيها العميد, بل في قدرتها على تحويل الرمز إلى أداةٍ للمعرفة والتأمّل, فالمتلقي يجدُ نفسهُ أمامَ عالم الحيوان, غيرَ أنّه لا يلبث أنْ يرى أنّ المعنى يتجّه للإنسانِ بكل ما يعنيه, فهذه القراءة تسعى لفهم وكشف الدلالات الرمزية وبيان الكيفية التي جعل بها العميد طه حسين مرآة تعكس صورة الإنسان, وتُضيءُ أبعادًا من الواقع النفسي والاجتماعي الذي أراد الكاتبُ مساءلته ونقده.
يُناقشُ العميدُ مسألة َ مجانية التعليم, ويقول مقولته التي هي مقولة نفسية أقرب إلى تمثيل الواقع من غيرها, يقول: اللهم اشهد أني ما ذهبت قط إلى الجامعة أو إلى وزارة المعارف إلا كانت هذه القصة ملء قلبي, وإلا ذكرت أني كنت سعيدًا حين تعلمت على حساب الدولة, فمن الحق علي أن أتيح بعض هذه السعادة لأكبر عدد من شباب مصر, ولو استطعت لأتحتها لهم جميعًا.( الكتاب: 23), فهو يلوم الذين يريدون أن يلغوا التعليم المجاني, يذكرهم بأيامهم التي كانوا فيها طلابًا قبل أنْ يصبحوا أصحاب قرارٍ!
ومن خلال هذا البناء الرمزي تتجلى فكرة أساسية في (جنة الحيوان)، وهي أنّ العالمَ الذي يقدّمه الدكتور طه حسين ليس عالمًا منفصلًا عن الواقع، بل هو إعادةُ تشكيلٍ له عبرَ قناعٍ فنيٍّ يخفف من حدّة التصريح المباشر, فالحيوانات التي تتحاورُ وتتنازعُ وتفكرُ إنّما تعكسُ في عمقها، أنماطًا إنسانيّةً مألوفة؛ تتبدلُ أسماؤها وأشكالها، لكن جوهرها يظلّ واحدًا، هو الإنسان بما يحملهُ من نزعات القوّة والخوف والطموح والتردد.
ومن أبرز ما يلفت النظر في هذه القصص أنّ الرمزَ لا يأتي مُغلقًا أو أحادي الدلالة، بل مفتوحًا على أكثر من تأويل؛ فالحيوان الواحد قد يحمل أكثر من معنى بحسب السياق الذي يُوضع فيه، وبحسب طبيعة الصراع الذي يتحرك داخله, وهذا ما يمنحُ النصوص حيويةً نقديّة، ويجعل القارئ في حالةِ مشاركةٍ دائمة في إنتاج الدلالة، بدل أنْ يتلقى معنىً جاهزًا ومغلقًا.
كما يمكن ملاحظة أنّ الدكتور طه حسين لا يكتفي بتعرية الواقع الاجتماعي، بل يتجاوزه إلى مساءلة البنية النفسيّة للإنسان ذاته؛ فالحيوان في هذه الكتاب لا يكشف عن المجتمع فقط، بل يكشف عن الإنسان حين يكون أسير غرائزه ومصالحه ومخاوفه, وهنا تتحوّل الحكاية من مجرّدَ نقدٍ اجتماعيّ إلى تأمّلٍ أعمق في طبيعة الإنسان وحدود وعيه بذاته وبالآخرين, وبذلك يمكن القول إنَّ قصص(جنة الحيوان) ليست مجرّد مجموعة قصص رمزية، بل هي مشروعٌ فكريٌّ وجماليٌّ يسعى إلى إعادةِ قراءة الإنسان عبر وسيطٍ غير مباشر، هو الحيوان. ومن هنا تتضح قيمة العنوان الذي ينقله من سطح الحكاية إلى عمق الدلالة، ومن ظاهر السرد إلى باطن الرؤية.
وفي تأمّل القصص الواردة في الكتاب، يتبين للمتلقي أنّ (جنة الحيوان) رؤية فكرية عميقة تعيد مساءلة الإنسان من داخل أقنعةٍ متعددة تتبدل فيها الأسماء وتثبت فيها الدلالة. فالعميد طه حسين لا يكتب عن الحيوان بوصفه كائنًا مستقلًا، بل يستدعيه ليكون وسيطًا معرفيًا يكشف ما يستتر خلف سلوك الإنسان من دوافع السلطة والخوف والطموح والانكسار.
إنّ ما يبدو حكاياتٍ بسيطة في ظاهرها، ينقلب في جوهره إلى شبكة من الأسئلة القلقة حول معنى القوة، وحدود العدالة، وطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع. وهنا تتجاوز القصص وظيفتها الترفيهية أو الحكائية لتتحول إلى خطابٍ نقديٍّ يُعرّي الواقع دون أن يقع في مباشرة الوعظ أو صراحة التقرير، بل عبر اقتصادٍ رمزيٍّ شديد الكثافة يراهن على وعي القارئ وتأويله.
ومن ثمّ فإن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في ما يقوله صراحة، بل في ما يتركه معلقًا في منطقة التأويل؛ حيث يغدو الحيوان مجرد قناعٍ هشّ، سرعان ما يتراجع ليكشف الإنسان في أكثر حالاته تعقيدًا وتناقضًا. وهكذا تنتهي (جنة الحيوان) لا إلى حكايةٍ عن غير الإنسان، بل إلى عودةٍ حادةٍ إليه، بوصفه المركز الذي تدور حوله كل الأقنعة والمعاني والأسئلة.
هذا الكتابُ يستدعي الحيوانات بوصفها رموزًا لما يريد أنْ يقوله من آراء نقديّة, فأنت تقرأ دلالة الذباب والإنسان في آخر الكتاب, لتجد أنّ الذباب مزعجٌ متحرّك على الدوام, ويقول عن الإنسان في القصة: والذي أستطيع أن أحققه هو أن صاحبي هذا الفخم الطويل العريض قد فطر على شيء من أخلاق الذباب, وأظهر ما ركب فيه من ذلك, هذا التهالك الملح الذي يمنعه أن يعيش بنفسه, وأن يعيش لنفسه, وأن يستقل بشخصه لحظة من لحظات الحياة.( الكتاب:114).
وخلاصةُ القولِ إنَّ الاستعارةَ في «جنة الحيوان» لا تأتي بوصفها زينةً بلاغيةً تُضاف إلى النصِّ، بل باعتبارها آليةً معرفيةً تُعيد إنتاجَ الواقع داخل بنيةٍ رمزيةٍ مكثّفة. فحين يتحوّل الحيوان أو الكائنُ الصغير أو المشهدُ العابر إلى علامةٍ دالة، فإنّ النصَّ لا ينقلُ الواقعَ كما هو، بل يعيدُ تفكيكه وإعادةَ تركيبه بطريقةٍ تجعلُ المعنى أكثرَ عمقًا واتساعًا مما يُقال مباشرة.
ومن هنا تتجاوز الاستعارةُ وظيفتها التقليدية في الإيحاء الجمالي إلى وظيفةٍ نقديةٍ تكشفُ ما يتخفّى خلف الظواهر: الإنسان في ضعفه وقوّته، في وعيه وغفلته، وفي قدرته على السيطرة وعجزه أمام التفاصيل الصغيرة التي تُربكه وتكشف هشاشته. فكلُّ استعارةٍ في هذا البناء ليست مجرد تشبيهٍ غير مباشر، بل نافذةٌ تُطلُّ على طبقةٍ أعمق من الحقيقة، حيث يتداخلُ الواقعيُّ بالرمزي، والمباشرُ بالمُضمَر.
وهكذا تنتهي القراءةُ إلى أنّ الاستعارة في هذا النص ليست طريقةً في القول فحسب، بل طريقةٌ في التفكير؛ إذ تُحوّل الرمز إلى أداةٍ لإعادة مساءلة الإنسان نفسه، وتجعله يرى ذاته في مرايا متعددة لا تستقرّ على معنى واحد. ومن ثمّ فإنّ قوة «جنة الحيوان» لا تكمن في ما تقوله، بل في ما تُحيله إليه، حيث يغدو المعنى دائم الحركة، ويظلّ الإنسان هو السؤال الذي لا تُغلقه الاستعارة، بل تفتحه على احتمالاتٍ لا تنتهي.
فالإنسانُ إذن, هو محور الكتاب, والخطابُ موجّه إليه, وهذه بلاغة الكاتب في توظيف الرمز توظيفًا عميقًا وجميلًا, فأنت لا تكتفي بقراءة الدلالة الأولى حتى تنفتح أمامك العديد من الدلالات, وهنا يكمن وعي المؤلف من سعةِ نصّه الذي يتعدّد بتعدّد القراءات والقراء, وهذه ميزةُ الأدباء الذين أضافوا للفكر الإنساني الكثير.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي