loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أوهام المثقف العراقي

breakLine
2026-06-12

 

ياسين النصيِّر | ناقد عراقي

عشنا طوال السنوات الماضية منذ عام 1958 وإلى اليوم مع مجموعة من الأوهام التي تمكنت من الهيمنة على المثقف اليساري خاصة، بينما المثقف غير اليساري لم يعرها اهتمامًا، لأنها ليست من مشاغله ولا ميادين تفكيره. دعونا نبسط المسألة، فالأوهام التي عاشها ويعيشها المثقف اليساري العراقي، أوهام اجتماعية، وليست أوهامًا فردية أو ذاتية، مما يعني أن تركيبة المثقف اليساري العراقي لم تكن يومًا ما فردية أو ذاتية، بل كانت بنية جماعية منتظمة ضمن سياق وطني.  مما يميزه عن بعض شرائح المجتمع العراقي، حين اصبح  المثقف العراقي في أوقات سابقة صوتًا يوازي أصوات أساسية في البنية الاجتماعية. وعندما نتحدث عن المثقف العراقي ونفرز له حيزًا مهمًا من تفكيرنا، لا يعني أننا نضعه في مكان خارج اهتمامه،  أو نغمط حق الفئات الاجتماعية الأخرى، بل نتحدث في صلب مواقفه الوطنية، وعليه يكون تشخيصنا ضمن هذا التوجه وليس إدانه له. سندرج هنا بعض هذه الأوهام، التي ربما تكون غائبة عن الكثير من المثقفين العراقيين.
1- الوهم الأول: الاعتقاد أن التاريخ العراقي يمكنه أن يصنع مثقفًا عراقيًا.  يكفيه أن يعيد انتاج رموزه التاريخية او مواقفه أو احداثة في انتاجه، فيعتقد أنه قد حقق مركزه كمثقف له قضية.  لقد عاش المثقف العراقي منذ اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في ظل شعور بانه يمثل حركة التاريخ نفسها، عندما ارتبطت أجيال المثقفين بالحركات الوطنية واليسارية والتقدمية، وكانت هذه الحركات قد ترسخت اجتماعيًا وامتلكت مشروعًا وطنيًا. مما شكّل هذا الوضع تطابقًا بين المثقف والتاريخ، ولما مر المجتمع العراقي بسلسلة من النكبات والانكسارات والحروب، استمر بعض المثقفين بالاعتقاد من انهم ما زالوا يمثلون"الوعي التاريخي" للأمة. في حين أن الزمن بدأ يفقدهم مثل هذه الصلة بالأساس الاجتماعي وقواعده التاريخية. لان أي تاريخ لا يمكن أن يستمر دون تغذيته بحاضر مغاير لمساره، لايشتد عود أي كيان إلا بالمختلف، أما المتشابه فيعيد تركيبته وبصورة اقل دقة، ما دام النموذج التاريخي مهيمنا.
2- الوهم الثاني: وهم الارتباط بين حركات وطنية محلية، ووهم العالمية، مثل هذا الوهم يعكس أن أي ارتباط بين المحلية والعالمية لايتم دون وجود مؤسسات تسند وتمنهج وتعالج هذا الارتباط، ففي العراق أصبح الارتباط بين اشتغالات المثقف السياسية ومشكلات العالم، أكثر أهمية من انشغالاته بمشكلاته الداخلية والوطنية، هنا يصنع وهم العالمية نماذج أكبر من اية تجربة، ويعتقد المثقف عبر انتاجه أنه يحقق وهم الارتباط العالمي عندما يحاكي انشغالات مثقفين غربيين وارتباطاتهم بتاريخهم وشعوبهم وقضاياهم. أو عندما يتبنى مواقف دول عربية اشتركت تاريخيًا معه،دون ان يغذي مواقفه بتاريخه الوطني، غالبًا ما تصنع الاديولوجيا الشمولية مثل هذه الأوهام، وهنا يصبح فهم الواقع  المحلي ثانويًا، بينما الدفاع عن الأفكار الشمولية أساسيًا. في العراق ساهم المثقفون بانتاج الأوهام العالمية بينما كانت السلطات تحاربهم لأنهم ازاحوا الأوهام التاريخية المحلية من اهتماماتهم، هذا الموقف،اعني موقف السلطات، كلف المثقفين العراقيين الكثير من الضغط والحرمان والمطارة وحتى السجون. السلطة كانت تعوض بعض المثقفين بتميزات مادية لأنهم لم يعيشوا اوهامًا تاريخية عالمية، وهذا ما شجع الكثير من المدعين بالثقافة ان يتسيدوا المشهد الثقافي مادموا بعيدين عن ملاحقة السلطات لهم. لقد اصبحوا جزءا من خطاب السلطة السياسي.حورب الكثير من المثقفين اليسارين لانهم رفضوا الوحدة الاندماجية العربية التي نادى بها الناصريون. وتشهد السجون  العربية على ذلك.
3- الوهم الثالث: وهم الجماعات الثقافية، بما أن المثقف العراقي لم يعش حياته منفردًا، بل ضمن تركيب اجتماعية، وبخلفيات مختلفة. اصبح هذا الوهم بديلا عن العشيرة،والانتماء القومي والمناطقي وحتى الأسري،  هذا الوهم صنع ما يسمى"الحقيقة الجماعية" وهي نتاج مكرر لمواقف مارسها المثقفون فاصبحت شبه معتقدات أو مسلمات. وقد صنعت هذه الأوهام ممارسات حادة وقوية للتفريق بين من يؤمن بالقومية ومن يؤمن بالوطنية، من يؤمن بالدين ومن يؤمن بالطائفية، من يؤمن بالمناطقية، ومن يؤمن بوحدة العراق، وهكذا تشتت الموقف الوطنية من خلال أوهام لم تكن عارضة او وقتية، بل غذتها مواقف دول وجماعات وارتباط أجنبية. فالحقيقة الجماعية لا تبنى في المجتمعات المتخلفة،على برنامج إصلاحي، بل على تصور الخوف من المحو وهيمنة الآخر. ولذلك ارتبط عدد من المثقفين بالسلطات،لأنهم لم يعوا فكرة أن الجماعات ليست دائما تقدمية.

4- الوهم الرابع:وهو من أهم الأوهام، حين استبدل المثقف المجتمع بالنص. ربما يكون هذا الوهم من أخطر الأوهام،عندما اعتقد المثقف أن النص الذي يكتبه أهم من مجتمعه. فكانت جل الحوارات تنصب على النصوص خاصة الشعرية وعلى أهمية الشعراء خاصة في تمركزاتهم الإبداعية، خاصة الرواد، فالكثير من المثقفين العراقيين يقرؤون المجتمع من خلال الكتب التي يشترونها أو التي ينتجونها، وليس من خلال معايشتهم لتحولات المجتمع .كلنا ننتمي وننحاز للفلاح والعامل وللطبقة الفقيرة ولتمثيلاتها الوسطية، ولكن ثمة خيط خفي نربط بين هذه الفئات ومناطق العراق الجغرافية، لقد تحول الفلاح والعامل والبرجوازي الصغير إلى أصوات مناطقية، بينما هي في عرف الدولة ليست إلا فئات اجتماعية يعوزها التعليم والصحة والعمل، ولذا عليها ان ترتبط بالسلطة تنظيما ووجودا، وعندما يتم تغيير بعض الحلقات من هؤلاء كأن يكونوا عسكريين او عمالًا في المشاريع ،لا يتغير فكر المثقف إزاءهم، بل يبقى اسير النماذج القديمة التي يعتقد أن جماعية العشيرة أهم من جماعية المواقف الوطنية. أصبحت النماذج المناطقية للعمال وللفلاحين الآن أكثر حضورا،فجلبت لها مثقفين يؤمنون بها. وكان من نتيجة ذلك أن انتج المثقفون العراقيون نصوصًا تؤكد انتماءاتهم الفرعية على حساب الانتماء الوطني. لا ،وقد ادعى البعض ان مثقف هذه العشيرة أو المنطقة  أو تلك.
5- الوهم الخامس،وهم الفكرة المُنقذة، وهذه من الأوهام المهمة،  بالرغم من أن المثقف اليساري يعرف أن اية فكرة لن تكون منقذة دون ممارسته لها، ومع ذلك هيمنت على قراءاتنا أوهام أفكار كتبها مثقفون عن مجتمعات أخرى، فقمنا بترديدها كما لو أنها حلولًا لنا. لقد تمت إشاعة هذا الوهم عندما تخلت السلطة عن انتاج مشاريع كبيرة، و أصبح اهتمامها منصبًا  على انتاج مشاريع محلية صغيرة، ليست ذات فائدة عمومية،عندئذ برزت القومية والطائفية والعشائرية والمناطقية وغيرها بدائل للوطنية. وهنا أصبحت الهويات الجزئية هي الأساس بينما تنحت الهوية الوطنية من صدارة الاهتمام، والكثير من مثقفي اليسار عندما يستعيد مواقفه السابقة لايجد فيها أي جزء من اهتمامات مثقفي اليوم، كنا نسجن على شعار السلم في كردستان،  ونتضامن مع مطاليب الفلاحين في مدن عراقية لم نزرها، وامتد الاهتمام بقضايا عالمية  حين وجدنا أنفسنا مرتبطين بها فكريًا وثقافيا وإنسانيا، الآن لايهتم المثقف الكردي بما يجري في البصرة او نينوى او الحلة او ميسان، ولا المثقف العربي بما يجري في كردستان، هذا التشتت ليس بسبب السلطات وحدها ، بل بسبب المثقف نفسه  عندما اعتقد وتبنى أن وهم الإنقاذ يتم من خلال الجزئيات.
6- الوهم السادس: ضعف وهشاشة البنية الاجتماعية العراقية، وفي رأي الكثيرين اصبح هذا الوهم الأكثر حضورًا في عراق اليوم،  هذا لايعني امتلاء جامعاتنا ومؤسساتنا بالكثير من أصحاب الشهادات العليا، حيث أصبح وجودهم غير معني ببناء مجتمع حديث، بل براتب يضمن لهم عيشًا مريحًا، وليس بتطوير ثقافة وطنية تهتم ببنية مؤسسات المجتمع،  فبنية المجتمعات الحديثة لا تبدأ من أفراد متعلمين فقط بالرغم من أهميتهم، بل من وجود مؤسسات مستقلة تتبنى مشروعاتهم، وممارسات نقدية مستمرة تتولى الكشف عن مساؤى أبنية السلطة، بمكاشفة الاخطاء والاخفاقات، ومفهوم التداول بين الكفاءات، ووجود اقتصاد غير ريعي، وقضاء حر لايجامل ولا يحني رأسه للمال. عندئذ لاقيمة لاية شهادة أكاديمية او انتاج ثقافي متميز دون وجود مؤسسات تتبنى الرؤية الوطنية الشاملة..
نكتفي في مقالنا هذا بعرض ستة أوهام يعيشها المثقف العراقي اليوم، وفي الجعبة مجموعة من الأوهام الأخرى سنتطرق إليها لاحقا.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي